محطات تنقية المياه المنزلية RO وعوامل اهدار المياه في العراق

Updated: Nov 14, 2020

كرار السراي

بغداد-14/11/2020

مع تردي واقع خدمات تحلية المياه الحكومية اخذت مهنة بيع مياه الشرب تنتشر بسرعة فائقة وبشكل مبالغ فيه في المدن العراقية فتحولت الاحياء السكنية الى مصانع منزلية لتحلية المياه وبيعها فلا يكاد يخلو زقاقا واحدا من 2-3 محلات لتنقية وتحلية وبيع المياه وهي غالبا طرق عشوائية ولاتحظى بموافقات الحكومة او الجهات الصحية والبيئية.

وازاء تردي نوعية مياه الشرب التي تقدمها محطات التحلية الحكومية وعبور درجة العكورة فيها حاجز (550 UNT) في وقت تحدد فيه نسبة العكورة المثالية في مياه الشرب ب(UNT 1-10)، اخذ الناس يلجؤون الى شراء مياه الشرب من معامل تنقية المياه التي تنتشر في اطراف المدن وفي المناطق الصناعية وبعد فترة من الزمن املت الحاجة الملحة للمياه النقية الى ان تتحول الى مهنة واسعة جدا تمتهنها فئات اجتماعية كبيرة من العاطلين عن العمل حيث شجع ذلك انخفاض اسعار اجهزة تنقية المياه وقطع غيارها وغياب الرقابة والفحص الحكومي.



محطات منزلية

علينا اولا ان نميز بين المحطات المنزلية الصغيرة التي ينصبها الاهالي في منازلهم لتؤدي وظيفة تنقية المياه التي توفرها الحكومة وبين المحطات المنزلية التي تنصب لغاية بيع المياه للمستهلكين، حيث يتم بناء مكان صغير ونصب اسطوانات تنقية وخزانات مياه وممارسة عملية بيع المياه مقابل مبالغ مالية منخفضة. هذه المحطات الصغيرة تستهلك كميات مياه كبيرة جدا تؤثر بشكل عام على خطط استهلاك المياه وتوزيعها في المدن العراقية فتغرق اطراف المدن والاحياء الفقيرة وهي النسبة الاكبر من السكن في العراق بفقر مائي مدقع يؤثر على حياتهم ويضيف لهم اعباء معيشية تثقل كاهلهم.

(احمد عبد الحسين) شاب يبلغ من العمر 24 عاما، تخرج من كلية الهندسة لكنه لم يحصل على فرصة عمل او وظيفة حكومية رغم انه تظاهر مع زملائه منذ بداية اكتوبر 2019 وحتى وقت قريب، يقول (احمد) انه اقترض من شقيقته الكبرى مبلغ 3000 الاف دولارا ليشتري محطة تنقية مياه واقتطع حيزا صغيرا من منزل والدته حيث يعيش ليبيع فيه مياه الشرب حيث تبلغ طاقة محطته الصغيرة تلك الف لترا من المياه يوميا كطاقة انتاج قصوى مقابل 100 دينار عراقي لكل لتر مياه نقي.

يجني (احمد يوميا) ربحا يترواح ما بين 25-35 دولارا ولا يعرف بعد ان كانت تجربة العمل التي يخوضها ناجحة ام لا لانه في بداية الطريق. اما (واثق مزهر) الذي مضى عليه 4 سنوات في هذه المهنة فيقول انها مهنة لا يمكن ان تغير واقع حياة الفرد الذي يمتهنها لانها تسد حاجات المعيشة اليومية فقط ولا يمكن ان توفر مالا اضافيا لتامين العلاج او شراء الكماليات وبعد فترة وجيزة من عمل اي محطة تبدا معدات تنقية المياه تستهلك الارباح عبر استبدال قطع الغيار بشكل مستمر وشراء المنقيات ومحاليل القضاء على العكورة وهي بطبيعة الحال مكلفة.




نظرة حكومية لواقع بيع المياه

توضح بيانات وزارة الصحة دائرة اجازة المهن والاعمال المتعلقة بالصحة العامة ان عدد الاجازات التي تطلب بشكل رسمي لمهنة تنقية المياه وبيعها، تفوق 10 الاف اجازة سنويا وهنالك ثلاثة اضعاف هذا الرقم من المحال غير المجازة التي تمارس المهنة بشكل غير رسمي وبشكل عشوائي، وتؤكد امانة بغداد عبر الناطق الرسمي ان استهلاك المياه في المدن لاغراض الشرب والاستخدام المنزلي يفوق 13,793,332 م3 / سـاعة وهي طاقة اقل بنسبة 55% من الحاجة الفعلية للسكان في العراق.

اما نسب الاهدار في استخدامات المياه فتصل الى 60% في افضل الحالات ولعل مهنة تنقية المياه وانتشار المحطات المنزلية في الازقة والشوارع في المدن ياتي كواحدة من مسببات هدر المياه ومزاحمة المنازل على المياه، وتعترف الحكومة رسميا بانها لاتقدم مياه صالحة للشرب وفق المعايير العالمية لاسباب تتعلق بتقادم البنية التحتية وقلة الاموال المرصودة لتشغيل محطات التنقية الحكومية ولتجاوز نسب السكن العشوائي حدود 40% مما يعني ان خطط الحكومة القائمة على السكن النظامي لا تستجيب للحاجات المضافة وعلى راسها تعاظم السكن العشوائي في المدن وتوسع السكن بشكل عام افقيا.

يبين الجهاز المركزي للاحصاء المعني بالمسوحات والارقام الاحصائية في العراق ان الطاقة التصميمية لمشاريع المياه الصالحة للشرب في العراق يبلغ ( 346913 ) م3 / سـاعة فيما تصل الحاجة الفعلية للبلد من مياه الشرب الى 13,793,332 مليون م3 / سـاعة، وتتعاظم نسب الهدر المائي مع تعاظم الحاجات الصناعية في المدن وعدم وجود انظمة قياس وتحديد للهدر عبر اعادة تدوير معالجة المياه وفصل انظمة التصريف للمياه الثقيلة عن المياه الخفيفة عن مياه الامطار او المياه المستخدمة في الصناعات التحويلية. وتستهلك صناعة النفط والكهرباء في العراق قرابة 4 مليون متر مكعب يوميا اذا ما علمنا ان نسب الدفق المائي الوارد من دجلة والفرات انحسر الى 9 مليار متر مكعب سنويا 2020 بعد ان كان 44 مليار متر مكعب عام 2005.



اهدار المياه ذنب الحكومة ام ذنب المواطن!

يبلغ معدل استهلاك الفرد من المياه سنويا وفق بيانات جهاز الاحصاء المركزي 210 متر مكعب سنويا، تصل نسبة الهدر منها الى قرابة 160 متر مكعب للفرد الواحد وهي نسبة كبيرة جدا تتحمل الحكومة النصيب الاكبر من المسؤولية فيها، لغياب النظم الحديثة لاستهلاك واعادة استخدام المياه، اما المواطن فيتحمل جزءا من المسؤولية ايضا لانه يتبع عادات وتقاليد وسلوكيات استخدام غير منضبطة يطغى عليها طابع الاسراف في التعامل مع المياه. اما محطات تحلية المياه RO فتستهلك يوميا وبحسب الجهاز المركزي للاحصاء ما يعادل 16 مليون متر مكعب، والكمية باكملها تؤخذ من المورد المائي الذي تؤمنه الحكومة عبر شبكات مياه الشرب. ولعل سوء ادارة المياه هو السبب الاول في تعاظم نسب الهدر المائي، وفي هذا الصدد يقول خبير ادارة الموارد المائية الاستاذ (فاضل عباس) اختصاص نظم ادارة المياه في جامعة بغداد "ان ملف ادارة الموارد المائية في العراق متروك لجهات لا تمتلك الخبرات الكافية لتنظيم القطاع المائي وليست على اطلاع باخر تقنيات ادارة ومعالجة واستثمار المياه ولاتزال النظم الخاصة بمياه الشرب والزراعة والصرف الصحي قديمة ومتاهلكة وتعود الى سبعينيات وثمانينات القرن المنصر. ومع كل الاموال التي انفقت على قطاع ادارة المياه منذ عام 2006 وحتى الان والتي فاقت 7 مليار دولار الا ان الخدمات في قطاع المياه بشكل عام وادارته لاتزال متخلفة ومتهالكة ولا تفي باي معيار من معايير التنمية المستدامة لموارد المياه سواء كانت السطحية او الجوفية او الهيدروليكية منها". ويضيف فاضل :" ان جوانب التوعية والتثقيف وبرامج التعليم الخاص بادارة مصادر المياه المنزلية او الزراعية وحتى الصناعية منها تغيب بشكل تام في نظم الادارة الحكومية الموجهة نحو المواطن وانماط الاستهلاك التي يتبعها، وبغياب هذا الجانب تبقى الازمة قائمة وقابلة للتفاقم يوما بعد يوم".



حلول ومعالجات لازمة هدر المياه

ولنطلع على افضل الحلول التقينا احد موظفي الامم المتحدة العاملين في مشروع اشري2 (اليونسكو) لادارة الموارد المائية وهو الدكتور رضوان حليم الذي قال: "تغيرت انماط استهلاك المياه عالميا وتطورت بشكل كبير فيما لاتزال في العراق متاخرة جدا وهي غالبا ما ترتبط بمنافذ الاستخدام (صنابير المياه) منزليا تقابلها منافذ التصريف (انظمة الصرف) واضافة الى أنظمة التوزيع التي تحتاج الى عمليات التشغيل والصيانة المستمرة فان تطوير مخرجات التصريف تعني استهلاك اقل واعادة استخدام وتوظيف المخرج النهائي وان كان ملوثا في استخدامات زراعية او صناعية. ولذلك فان المعالجة لمياه الشرب على مستوى المنزل عن طريق استخدام طرق بسيطة و فعالة وتنقية المياه المنزلية والتخزين الآمن (HWTS) مع خيارات مثل الغليان، والترشيح، والمعالجة بالكلور وتعقيم المياه بالطاقة الشمسية SODIS يمكنه أن يقلل إلى حد كبير من الاهدار المائي ويقلل حالات الأمراض التي تنقلها المياه".

ترصد الامم المتحدة في العراق مبالغ مالية تترواح ما بين 10-20 مليون دولار سنويا لتحسين قدرات موظفي الحكومة في ادارة الموارد المائية وتخصص جزء صغير من المشاريع لتوعية الجمهور لكنها ليست كافية وهنالك حاجة ملحة لضبط ملف الامن المائي في العراق.